محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

39

شرح حكمة الاشراق

فلا بدّ وأن تكون بحصول صورها فينا . وإلى هذا أشار بقوله : هو أنّ الشّىء الغائب عنك إذا أدركته فإنّما إدراكه - على ما يليق بهذا الموضع - أي : بفاتحة كتاب المنطق ، هو بحصول مثال حقيقته فيك ، بخلاف إدراكه على ما يليق بقسم الأنوار ، فإنّه ليس إدراك كلّ ما هو غير ذاتك هو بحصول مثاله فيك ، بل إدراك بعضه به ، وإدراك البعض الآخر بحصول إضافة إشراقيّة ، وهو العلم الإشراقىّ الحضورىّ ، إذ الحاصل بهذا العلم للمدرك بعد أن لم يكن ليس هو مثال المدرك ، بل الإضافة الإشراقيّة لا غير ، على ما يستّضح أنّ إدراك المبصرات ، مثلا ، ليس بخروج الشّعاع ولا بالصّور والانطباع ، بل بحصول إضافة إشراقيّة للنّفس مع المبصر ، فتدركه مشاهدة ، لا بمثال ، وهو علم حضورىّ ، لا صورىّ ، وإن كان بالشّىء الغائب عنك . ولهذا [ أيضا ] قال : « على ما يليق بهذا الموضع » ، يعنى الّذى هو أوّل الشّروع في الحكمة الحقّة قبل تحقيقها . وقس عليه سائر العلوم الإشراقيّة الحضوريّة ، وتصوّره كما ينبغي ، واحتفظ به ، فإنّه دقيق نفيس . وأمّا أنّ إدراكه بحسب هذا الموضع هو بحصول مثال حقيقته فيك ، فلقوله : فإنّ الشّىء الغائب ذاته ، أي فإنّ الشّىء المجهول ، إذا علمته ، إن لم يحصل منه أثر فيك ، فاستوى حالتا ما قبل العلم وما بعده ، وهو محال . ولقائل أن يقول : لا نسلّم أنّه إن لم يحصل منه أثر فيك ، استوى الحالتان ، لجواز أن يختلفا بحصول إضافة إشراقيّة أو زوال أمر حالة العلم . ويمكن أن يجاب عن الأوّل : بأن الكلام في العلم المتجدّد الّذى لا يكون إشراقيّا ، لقطع النّظر عن العلم الإشراقىّ في هذا الموضع ، كما قلنا . وعن الثاني : بأنّه إذا زال أمر فالزّائل عند العلم بهذا غير الزّائل عند العلم بذلك ، وإلّا لكان العلم بأحدهما هو العلم بالآخر ، فيلزم أن يكون فينا أمور غير متناهية ، بحسب ما في قوّتنا إدراكه من الأمور الغير المتناهية ، كالأشكال والأعداد المترتّبة ، وتكون تلك الأمور الحاصلة فينا مترتّبة وموجودة معا ، وسنبيّن بطلانه إن شاء اللّه تعالى .